الملخص:
الدراسة هذه تحاول استقصاء التحولات البنيوية التي طرأت على مفهوم الهوية داخل الفضاءات الحضرية المعاصرة، متجاوزة التفسيرات الجغرافية والهندسية الضيقة للمدينة، لصالح تناول سوسيولوجى يعتبرها كمختبر لإنتاج الفردانية والاغتراب. تنطلق الدراسة من إشكالية مركزية مفادها أن المدينة، رغم عملها على تحرير الفرد من القيود التقليدية، الا انها افرزت ذواتا هشة تعاني من سيولة الروابط وتأكل شبكات الأمان الجمعية، مما يدفع الافراد نحو الانخراط في أنماط استهلاكية ليست لتحقيق حاجة ذاتية نفعية، بل كوسيلة بترميم الهوية.
وبغية تأثيث هذه الدراسة نظريا ثم الاستناد الى مُتون سوسيولوجية ما بعد حداثية؛ حيث استلهمت الدراسة من زيجمونت باومان مفاهيم السيولة وفردنة المسؤولية الأخلاقية، ومن جان بودريار منطق نظام العلامات والرموز الذي يحول السلعة إلى لغة للتمايز الاجتماعي. كما وظفت الدراسة أطروحات جيل ليبوفتسكي حول عصر الفراغ والنرجسية كآلية دفاعية، وصولا إلى تصور شارون زوكين التي تكشف كيف يتم تسليع الفضاء الحضري وإعادة هيكلة امكنته، خدمة لتراكم رأس المال على حساب المواطنة والانتماء.
تخلص الدراسة ضمنيا إلى الأفراد في ظل المدن الحديثة يعيشون مفارقة صاخبة؛ بين الانوِجاد في مكان تتكاتف فيه الذوات وبين الإحساس المهول بالغربة، حيث تتشظى هويتهم، ويغدو الاستهلاك هو المنفذ الوحيد لإعادة بنائها دوريا، ما يجعل الفرد ينصرف عن الاهتمام بالشأن العمومي بكل قضاياه، ويلقي السمع في المقابل لمنطق اللذة والاشباع الفوري، الامر الذي يدخله في دوامة من عدم الرضا الذي لا ينتهي.